أبي منصور الماتريدي

494

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بتدبير مدبر حكيم ، لا بطبعها . ثم الأعجوبة فيما فيه خلق الإنسان ليست بأقل من الأعجوبة مما منه خلق ، وذلك أن الإنسان خلق في الظلمات على ما أراد الله تعالى ، وصوره كيف شاء ، ولو أراد أحد أن يعلم علم ذلك ، أو يصور مثله في حالة العيان لم يملك ، وجعل ذلك المكان فيما ينمو فيه الولد ، ويغذو فيه خصوصا من بين سائر الأماكن ، ولو أراد حكماء الإنس والجن أن يعرفوا الوجه الذي به صلح ذلك المكان للنماء والغذاء ، وأعملوا « 1 » فيه فنون العلم ، لم يعرفوا ، فمن تفكر فيما ذكرنا ، علم أن قدرته ذاتية لا يلحقها فناء ولا عجز ، وعلم أن علمه ذاتي ليس بمكتسب ؛ فيتوهم خفاء الأمور عليه . وقوله - عزّ وجل - : مِنْ ماءٍ دافِقٍ يعني : النطفة التي يدفقها الرجل في الرحم ، والدافق : معناه : مدفوق ؛ أي : يدفق به ؛ كقولك : « ليل نائم » ، أي : ينام فيه ، و « هم ناصب » ، أي : ينصب به . وقال الزجاج : ماءٍ دافِقٍ أي : ذي اندفاق . وقوله - عزّ وجل - : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ اختلف في تأويله : فمنهم من يقول « 2 » : بين صلب الرجل وترائب المرأة ، وهي الأضلاع الثمانية « 3 » : أربع عن يمينها ، وأربع عن يسارها . وقال بعضهم « 4 » : وَالتَّرائِبِ هي الأطراف . وقال بعضهم : وَالتَّرائِبِ موضع القلادة منها . وقال بعضهم « 5 » : وَالتَّرائِبِ ما دون التراقي وفوق الصدر . ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة ، فقال : قوله : مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ أريد به : صلب الرجل وترائبه ، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد ليس معدنه الصلب خاصة ؛ بل يجتمع من أطرافه كلها . ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا ، وهو أن الماء الذي يخلق منه الولد يكون منهما جميعا .

--> ( 1 ) في ب : وأعلموا . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه عبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 560 ) وهو قول عكرمة ، وابن أبزى أيضا . ( 3 ) في ب : اليمانية . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 36911 ) ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 560 ) . ( 5 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير عنه ( 36919 ) .